قطب الدين الراوندي
210
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
سيوف اعتزاء الجاهلية ، فاتقوا اللَّه ولا تكونوا لنعمه عليكم أضدادا ، ولا لفضله عندكم حسادا . ولا تطيعوا الأدعياء الذين شربتم بصفوكم كدرهم ، وخلطتم بصحتكم مرضهم ، وأدخلتم في حقكم باطلهم ، وهم أساس الفسوق ، وأحلاس العقوق . اتخذهم إبليس مطايا ضلال ، وجندا بهم يصول على الناس ، وتراجمة ينطق على ألسنتهم استرقاقا لعقولهم ، ودخولا في عيونكم . ونفثا ( 1 ) في أسماعكم ، فجعلكم مرمى نبله ، وموطىء قدمه ، ومأخذ يده . فاعتبروا بما أصاب الأمم المستكبرين من قبلكم من بأس اللَّه وصولاته ووقائعه ومثلاته ، واتعظوا بمثاوي خدودهم ومصارع جنوبهم ، واستعيذوا باللَّه من لواقح الكبر كما تستعيذونه من طوارق الدهر ، فلو رخص اللَّه في الكبر لأحد من عباده لرخص فيه لخاصة [ أوليائه و ] أنبيائه [ وملائكته ] ( 2 ) ، ولكنه سبحانه كره لهم ( 3 ) التكابر ، ورضي لهم التواضع . فألصقوا بالأرض خدودهم ، وعفروا في التراب وجوههم ، وخفضوا أجنحتم للمؤمنين ، وكانوا أقواما مستضعفين ، قد اختبرهم اللَّه بالمخمصة ، وابتلاهم بالمجهدة ، وامتحنهم بالمخاوف ، ومخضهم ( 4 ) بالمكاره . فلا تعتبروا الرضا والسخط بالمال والولد ، جهلا بمواقع الفتنة والاختبار في موضع الغنى والاقتار ، فقد قال سبحانه « أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وبَنِينَ * نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ » ( 5 ) . فان اللَّه سبحانه يختبر عباده المستكبرين في أنفسهم بأوليائه المستضعفين
--> ( 1 ) في الف وهامش نا : نثا . ( 2 ) ليسا في يد ، الف . وفي نا ليس « أوليائه » . ( 3 ) في الف ، يد : « إليهم » . وفي نا : « إليكم التكبر » . ( 4 ) في بعض النسخ : « ومحصهم » بالمهملتين . ( 5 ) سورة المؤمنين : 55 - 56 .